|
 |
مقالات وخواطر وقصص قصيرة رائعة بأقلام أعضاء منتديات الوعد الحق
أقلام الوعد الذهبية -> حكايات طبيب مسلم بقلم د.صالح -> ماتت السيدة كامو
|
| عدد مرات القراءة 411 |
|

ماذا؟؟؟؟ مريضة من مواليد 1907؟؟؟؟ من الذي أرسلها لي في العيادة؟؟ نظرت لي السكرتيرة باستغراب!!! إنه مأوى العجزة يا دكتور... يقولون أنها مصابة بقصور كلوي...
أربكني هذا الموعد... رأيت العديد من المسنين منذ وصولي لفرنسا ، حتى أن بعضهم قد تجاوز المئة من السنين ، لكنهم كانوا يأتون للقسم والاستشفاء وليس العيادة..
فُتح الباب وولجت منه سيدة صغيرة الجسد نحيلة تسير بهدوء وعلى رأسها قبعة في منتهى الأناقة ، لا تكاد تتكئ على عكازها ، رداء نظيف ونظرة ثابتة
-صباح الخير يا دكتور
-صباح الخير يا سيدتي، أنت السيدة كامو؟ -نعم يا دكتور...
تفضلي بالجلوس..
جلست السيدة كامو.. وكانت جلستي معها من أمتع ساعات عمري، فأنا أعشق الحديث مع المسنين واستخراج كنوز المعرفة والتجارب عندهم... كيف بسيدة عاشت الحرب العالمية الأولى وتذكر تفاصيلها ، متزنة واعية هادئة ذكية، عمرها قد تجاوز الخامسة والتسعين .
تكلمنا عن التاريخ والحرب والمجتمع والشرق الأوسط، فتحت عينيها باستنكار وقالت بلهجة حازمة هادئة: أتتصور يا دكتور... هذه الدولة العنصرية إسرائيل... وكيف يساعدها الأمريكان والأوروبيون.. وكيف يعيش أهلها في الويلات والشدة.. شعرت أنني تلميذ مبتدئ يجلس بين يدي استاذه.. بل أمام التاريخ والانسانية.. نسيت أنني الطبيب وأن السيدة كامو أتت لتراجعني..
عيادتي مع السيدة كامو استمرت أكثر من ساعة.. وأسفت على انتهائها،
أنا يا دكتور وُلدت في هذه المدينة وغادرتها وأنا شابة.. وأعود إليها الآن بعد أربعين سنة ، أتدري لماذا؟؟؟ لأن كل أصدقاء طفولتي وشبابي كانوا فيها.. ولأنهم ماتوا ودُفني في مقبرتها.. وأريد أن أموت في مدينتي وأن أدفن بجانبهم..
داريت عبرة انفلتت من مقلتي... أين أنا من مسقط رأسي دمشق وأين جسدي من ترابها..
مدام كامو... ستعودين بعد شهرين مع نتائج الفحوص التي وصفتها لك..
كنت أنتظر موعد السيدة كامو... كطفل ينتظر الفسحة.. أجلس معها لتحدثني عن آخر الأخبار.. عن عقلية الفرنسيين وعيوبهم، عن نظرتهم للإسلام والعرب وأسباب تدهورها... أنا يا دكتور مؤمنة بالله... الله الواحد... لا أؤمن بهذا الثالوث الغريب.. لم أجرؤ على عرض الإسلام عليها صراحة فهذا ممنوع أثناء العمل واكتفيت بالحوار وشرح العقيدة عند المسلمين وكأنني أناقش أمرا عاما معها..
السيدة كامو، هل كانت المراجعات ضرورية؟؟ ربما لو كان مريضا غيرها لأطلت الأمد بين المراجعات قليلا...
موعدها الآخير... قارب عمرها المئة... لم تحضر السيدة كامو... نظرت لعقرب الدقائق.. وشعرت بالقلق يتسلل لنفسي..
لا... لا... إنها بصحة جيدة.. لا بد أن شيئا أخرها..
أرجوك يا فرانسواز أن تتصلي بمأوى العجزة... تأخرت السيدة كامو... لمست السكرتيرة أزرار الهاتف... سألت عنها...
لن تحضر السيدة كامو يا دكتور...
وجدوها على كرسيها وفي يدها كتاب وأعينها مغمضة..
ماتت السيدة كامو...
|
|
 |
 | | | | |