|
المديون ...
رمق الجمع المحتشد أمامه بنظرة
مطلقا معها اشجان المحبة ...
تناسى منابع سروره...
و تذكر عظمة خلق الله سبحانه و تعالى ...
تقدمت قدمه و هي تتارجح اذ أنها اول مرة يتكلم هكذا على الملأ
رفع من هامته مطلقا زفرة حارة أودع فيها مخاوفه الباطنه ... تذكر كيف انه حضر خطابا طويلا ...
أخرج الورق الأنيق من ثنايا جيبه مانحا نفسه بعض الثقة ...
و بالتالي حين تجرأت يداه و قبضت اخير على مكبر الصوت ...
إستطاعت حنجرته أن تطلق ما يشبه الصوت ...
و لكن أكثر تحشرجا ...
قال بوهن :
أهلا بكم هنا في الأرض الوطن ...
تعلمون طبعا لما جمعتكم ... إنه الوقت الذي لابد فيه من رد فضلكم
قبل أن أنسى ...
يضحك ضحكة خفيفه محاولا كسر حاجزالرسميه بينه و بين الجمهور
ثم يكمل قائلا بتأثر :
تعلمون أنها مزحة ...
و هل ينسى العطشان من أنقذه بجرعة ماء ... أو الجريح من داواه حين تلاشى بريق الأمل من عينيه
إستعرت منكم الكثير من الاشياء ...
و ها أنا آتيكم في الميعاد ...
كما اتفقنا ...
و كما ترون فقد تغيرت كثيرا منذ آخر مرة تقابلنا ...
فهاهي الخصلات البيضاء قد زحفت ...
بين غابات شعري الحالك ...
لكني هو أنا نفس الشخص ...
فلا يذهلنكم شكلي ...
سكت برهة ليملأ عينيه منهم ... هؤلاء الذين خلقهم الله تعالى من أجل ...أن يحيا ... و لولاهم لما عرف قلبه كيف ينبض ...
إستطرد :...
يااااه !!!!!!
ما اكثركم ... لا تعدون و لاتحصون ... أجميعكم هنا ... أم تخلف البعض منكم عن الوقت الذي حددته لنا الحياه ؟
لوحوا له جميعا بإبتسامة خجلى ...
حاول أن يركز أنظاره في المساحة المشغولة بالأحرف حتى لا تأسره روائعهم ... ثم أكمل ناظر الى أحد الجالسين :
حسنا حسنا ... فلأبدأ بك أنت ... يا إكسير الحياة ... لو سمحت ...
قام أحد الحضور من مجلسه و تأنى بخفة في مشيته ...
الى أن بلغ المنصة ...
صعد و مع صعوده نشر بين الحاضرين مزيجا بديعا من الإنتعاش و الشعور الغامض بالحياة !!
نظر إليه و قد تخلت يده أخيرا عن الورقة قائلا بإمتنان : أنت ... أول من إستقبلتني في هذه الحياة ... حملتني بلطف ... ثم تغلغلت إلى أعماقي ...
أتذكر أني بكيت في البدايه ...إلا أنك هدأت من روعي ... و داعبتني دون أن أراك ... لكن صدقني ... لقد شعرت بك دائما ... تلاطفني ... و ترسل النسائم العليلة
تلاعبني طفلا و تنسيني الهموم كبيرا ... و اليوم لا أملك أن أقدم لك ... إلا بعضا مما أتحت لي على هيئة باقة من نسائم الإخلاص تضمها لبنات نسائمك اللا حدود لها إلا ما شاء الله
التفت الى أحد آخر من الحضور ... ثم قال بإعجاب : و أنت ... يا من تعلمت الحياة على يديك ... و سقيتني مياه المحبة ... هلا تتقدمي إلى هنا
و برقة ... إنسابت من الحشد ... و مع إنسيابها تدفق خليط من الفرح و الإارتواء ... كل الحاضرين
إستطرد مع إقترابها : أرد اليك بعضا من جميلك علي على هيئة دموع نقية تتكون عناصرها من الود و الإايثار ...
ثم أرسل نظره الى مكان ساطع لا يكاد يقدر أن ينظر إليه طويلا ...
قائل و كلماته تشع نور السعاده :
منحتني دفئ الحياة و أنرت لي دربي حين غشيتني قضبان الظلام ... حررتني من قيود الجهل ... و أضئت حياتي
لذلك أنسب هدية أن أهديك نورا من أعماق قلبي ... خالصا لا يحمل شائبة كره أو نقمة كذاب
و ما كاد يكمل حتى إلتفت سريعا لضيق الوقت و كثرة العدد ... إلى نقطة ملأها منبع الحب ... تألقت الدموع في عينيه كلما زاد إقتناعه بتألقها وأردف :
و أنت يا نبع الحنان ... لا أملك إلا ان أهديك برا و لطفا و اذنا تنصت و يدا تطيع و قدما تهرول لتنجدة المنكوب كما أنجدتني طوال عمري
كاد ينادي أحدا آخر إلا أنه توقف بغته
يا إلهي ما أجملهم ...
ما أكثرهم ...
حينها لم يملك نفسه ...
و سقط ساجدا دون أن يكمل ما بدأه و هو يناجي ربه : ( اللهم إنك وهبتني من نعمك ما لا يعد ... ما لا يحصى ... هواء و ماء و شمس و أم و طبيعة وأشخاصا أحبهم و يحبوني ووطن يحميني و بيت يأويني و عقل ينصرني ...
و كيف أرد هذا الصنيع ...
إني لولا نعمك علي لما كنت شيئا مذكورا ...
و ربما كنت ظللت ترابا ليس له فائدة ترجى ...
لكنك شئت أن تخلقني إنسانا ... و منذ وجودي عاهدت نفسي أن أخلص في عبادتك يا ربي و لا أعصاك أبدا ... و تمنيت لو يغدو قلبي مشرقا بنور الإاخلاص ... و أتنفس عبيرمكارم الأخلاق ... لكني مهما فعلت لا أملك أن أرد الدين ...لأني سأظل دوما الفقير و أنت الغني
بقدرتك و علمك و جلالك ...
و ها أنا ذا عاجز كسير بين يديك ... فإغفر لي إن أخطات و إرحمني ... فأنت أارحم الراحمين)
و لما إنتهى من دعائه ... إحتضنته جميع نعم الله الجالسة ... فخورين بنقاء هذا الإنسان الذي لم يضيعها هباء
اذ انه حقا ...
من الذين ...
إستحقوا الحياة
تم بحمد الله
|